الشيخ محمد رشيد رضا
429
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات ، فاللّه سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس اه أقول إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين لان من قالوا إنه تغيير الدين استدلوا بآية « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ » * كما ذكرنا ذلك آنفا والدين الفطري الذي هو من خلق اللّه وآثار قدرته ليس هو مجموع الاحكام التي جاء بها الرسل عليهم السّلام فان هذه الأحكام من كلام اللّه الذي أوحاه إليهم ليبلغوه ويبينوه للناس ، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه وقد بينا الدين الفطري في غير هذا الموضع ومعنى كون الاسلام دين الفطرة ، وحديث « كل مولود يولد على الفطرة » وقد أشار الأستاذ الامام إلى ذلك بما نقلناه عنه آنفا من كون الانسان فطر على طلب الحق والاستدلال والاخذ بما يظهر له بالدليل انه الحق أو الخير ان لم يكن ظاهرا بالبداهة ، ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكتناه حقيقتها العقول أي لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها وهو اللّه عز وجل ، وكان أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الانسان ويعيا في فهم حقيقتها بادي الرأي وان كان فهمها وعلمها ممكنا في نفسه لو جاءه طالبه من طريقه ، وهذا هو أصل الشرك وقد بيناه آنفا في تفسير « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » وفي مواضع أخرى . ويتلو هذا الفساد والافساد التقليد الذي يمده ويؤيده ويحول بين العقول التي كمل اللّه بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير وترجيح الحق والخير متى تبينا له على ما يقابلهما وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي من يتخذ الشيطان وليا له وتلك حاله في التمرد والبعد من أسباب رحمة اللّه وفضله واغوائه للناس وتزيينه لهم الشرور وسوء التصرف في فطرة اللّه وتشويه خلقه ، بأن يواليه ويتبع وسوسته فقد خسر خسرانا بينا ظاهرا في معاشه ومعاده إذ يكون أسير الأوهام